لا يكمن التحدي الأساسي للاقتصاد المحلي السوري في غياب النشاط الاقتصادي، بل في غياب الحوكمة التي تنظّم هذا النشاط وتحوّله إلى قدرة اقتصادية قابلة للاستدامة.
رغم أكثر من عقد من النزاع، والعقوبات، وتراجع دور الدولة المركزية، لا يزال الاقتصاد المحلي السوري يعمل من خلال الأسواق، المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وسلاسل التوريد القصيرة التي تكيفت مع الواقع القائم. غير أن هذا النشاط الاقتصادي يعكس بالدرجة الأولى قدرة المجتمعات المحلية على التكيّف، لا تعافيًا اقتصاديًا منظمًا. فالاقتصاد موجود، لكنه يعمل في بيئة عالية الهشاشة، منخفضة التنظيم، ومحدودة القدرة على الاستدامة.
خلال السنوات الماضية، شهدت سوريا تحولًا فعليًا للاقتصاد نحو المستوى المحلي، حيث أصبحت المدن والبلدات وحدات اقتصادية شبه مستقلة، لكل منها أسواقها وفاعلوها وأنماطها الخاصة. إلا أن هذا التحول لم يرافقه تحول موازٍ في أنماط الحوكمة الاقتصادية. لا تزال عملية اتخاذ القرار الاقتصادي، وتنظيم الأسواق، وإدارة الموارد المحلية إما غائبة، أو مجزأة، أو قائمة على إدارة الأمر الواقع، بدل أن تستند إلى أطر مؤسسية واضحة وآليات مساءلة قابلة للقياس.
حتى الآن، اقتصر الحضور الدولي المتعلق بالتعافي الاقتصادي على زيارات تقييمية، ولقاءات رسمية، وجهود تشخيص وتخطيط استراتيجي، دون الانتقال إلى تنفيذ تدخلات اقتصادية فعلية على الأرض. ورغم أهمية هذه المرحلة التحضيرية، فإن استمرارها دون ترجمة عملية يرسّخ حالة الانتظار، ويُبقي الاقتصاد المحلي محكومًا بمنطق إدارة الأمر الواقع، دون معالجة البنية الحاكمة التي تحدد كيفية عمل السوق وتنظيمه وتوجيهه.
تُعرّف هذه الورقة فجوة الحوكمة الاقتصادية المحلية بوصفها الانفصال القائم بين النشاط الاقتصادي الفعلي على المستوى المحلي وبين الأطر المؤسسية والتنظيمية التي يفترض أن تحكمه. وتتجلى هذه الفجوة في غياب أطر تنظيمية اقتصادية محلية واضحة، وضعف أو تشظي الجهات المسؤولة عن القرار الاقتصادي، وانعدام الربط المنهجي بين السوق المحلي، والسلطات المحلية، والبرامج الدولية. وينعكس ذلك عمليًا في أسواق غير منظمة، وارتفاع مخاطر الاستثمار المحلي، ومشاريع مدعومة لا تستمر بعد انتهاء التمويل.
تُظهر الورقة أن المقاربات السائدة حتى الآن غير قادرة على معالجة هذه الفجوة، نظرًا لتركيزها على المشاريع بدل المنظومات، واختزال التنمية الاقتصادية في مشاريع سبل العيش، وتغييب الحوكمة عن تصميم البرامج، والعمل بمعزل عن السلطات المحلية وأصحاب المصلحة المحليين أو تجاوزهم. ونتيجة لذلك، يبقى أثر التدخلات محدودًا، غير تراكمي، وغير قابل للاستدامة.
انطلاقًا من ذلك، تدعو الورقة إلى تحول سياساتي واضح في مقاربة التعافي الاقتصادي في سوريا، يقوم على إدماج الحوكمة الاقتصادية المحلية كمدخل أساسي، لا كمكوّن ثانوي. وتشمل التوصيات إدماج الحوكمة كمكوّن إلزامي في برامج التعافي، تمويل بناء الأطر التنظيمية المحلية إلى جانب المشاريع، العمل مع السلطات المحلية كشركاء في التنظيم والتنفيذ، وبناء قدرات محلية في تنظيم السوق، إدارة الموارد، وتطوير آليات مساءلة اقتصادية بسيطة وقابلة للتطبيق.
يشهد الاقتصاد المحلي السوري اليوم حالة من النشاط غير المتوازن؛ فبالرغم من سنوات النزاع، والعقوبات، وتراجع دور الدولة المركزية، لا تزال الأسواق المحلية تعمل، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة تنتشر، وسلاسل التوريد القصيرة تتكيف مع الواقع القائم. هذا النشاط لا يعكس تعافيًا اقتصاديًا بقدر ما يعكس قدرة المجتمعات المحلية على التكيّف في ظل غياب بدائل مؤسسية فعّالة. الاقتصاد موجود، لكنه يعمل في بيئة عالية الهشاشة، منخفضة التنظيم، ومحدودة القدرة على الاستدامة.
خلال السنوات الماضية، شهدت سوريا تحولًا فعليًا للاقتصاد نحو المستوى المحلي. أصبحت المدن والبلدات وحدات اقتصادية شبه مستقلة، لكل منها أسواقها، فاعلوها، وأنماطها التنظيمية الخاصة. غير أن هذا التحول الاقتصادي لم يرافقه تحول موازٍ في أنماط الحوكمة الاقتصادية. فعملية اتخاذ القرار الاقتصادي، وتنظيم الأسواق، وإدارة الموارد المحلية، لا تزال إما غائبة، أو مجزأة، أو قائمة على إدارة الأمر الواقع، بدل أن تستند إلى أطر مؤسسية واضحة ومساءلة قابلة للقياس.
في هذا السياق، اقتصر الحضور الدولي المتعلق بالتعافي الاقتصادي حتى الآن على زيارات تقييمية، ولقاءات رسمية، ومحاولات أولية لفهم الواقع الاقتصادي المحلي، دون الانتقال إلى مرحلة تنفيذ تدخلات فعلية، سواء في مجال دعم سبل العيش أو في مجال التنمية الاقتصادية المحلية. وقد انصبّ هذا الجهد بشكل أساسي على التشخيص، وجمع المعطيات، والمساهمة في التخطيط الاستراتيجي، أكثر من كونه استثمارًا في أدوات تنفيذية أو أطر مؤسسية على الأرض. ورغم أهمية هذه المرحلة التحضيرية، إلا أن استمرارها دون ترجمة عملية يرسّخ حالة الانتظار، ويُبقي الاقتصاد المحلي في دائرة إدارة الأمر الواقع، دون معالجة البنية الحاكمة التي تحدد كيفية عمل السوق، وتنظيمه، وتوجيه مساره نحو الاستدامة.
تبرز فجوة الحوكمة الاقتصادية المحلية اليوم كأحد العوائق البنيوية الرئيسية أمام أي تعافٍ اقتصادي حقيقي. فغياب قواعد واضحة، وضعف المؤسسات المحلية، وانعدام الشراكة المنظمة مع القطاع الخاص، كلها عوامل تقوّض الثقة، وترفع كلفة الاستثمار، وتحد من قدرة الاقتصاد المحلي على النمو المنظم. ومع انتقال الخطاب الدولي تدريجيًا من الاستجابة الإنسانية إلى التعافي والاستقرار، تصبح معالجة هذه الفجوة أولوية ملحّة، لا باعتبارها قضية تقنية فقط، بل كشرط أساسي لبناء قدرة اقتصادية محلية قابلة للاستدامة.
تشير فجوة الحوكمة الاقتصادية المحلية في السياق السوري إلى الانفصال القائم بين النشاط الاقتصادي الفعلي على المستوى المحلي وبين الأطر المؤسسية والتنظيمية التي يفترض أن تحكمه. فبينما يعمل الاقتصاد المحلي بصورة يومية من خلال الأسواق، التجار، المشاريع الصغيرة، وسلاسل التوريد، فإنه يفتقر إلى منظومة حوكمة واضحة تحدد القواعد، وتوزّع الأدوار، وتربط بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
تتجلى هذه الفجوة، أولًا، في غياب أطر تنظيمية اقتصادية محلية واضحة. فلا توجد سياسات اقتصادية محلية معلنة، ولا أدوات تنظيمية مستقرة لإدارة الأسواق، أو تنظيم الأنشطة التجارية، أو تشجيع الاستثمار المحلي. وغالبًا ما تُدار الشؤون الاقتصادية إما عبر إجراءات مؤقتة، أو أعراف غير مكتوبة، أو قرارات جزئية لا تستند إلى رؤية اقتصادية شاملة.
ثانيًا، تعاني الحوكمة الاقتصادية المحلية من ضعف أو تشظي الجهات المسؤولة عن القرار الاقتصادي. فالسلطات المحلية، حيثما وُجدت، تفتقر في كثير من الأحيان إلى الصلاحيات، أو القدرات، أو الوضوح المؤسسي اللازم للقيام بدور اقتصادي فاعل. وفي المقابل، يملأ هذا الفراغ فاعلون متعددون بمرجعيات مختلفة، ما يؤدي إلى تداخل في الأدوار، وتباين في القرارات، وغياب المساءلة.
ثالثًا، هناك انعدام واضح للربط المنهجي بين السوق المحلي، والسلطات المحلية، والبرامج الدولية. يعمل القطاع الخاص المحلي بمعزل عن أطر تنظيمية داعمة، بينما تُصمَّم التدخلات الدولية غالبًا خارج السياق المؤسسي المحلي، دون دمج فعلي للسلطات أو الفاعلين الاقتصاديين في عملية صنع القرار أو التنفيذ.
على أرض الواقع، تؤدي فجوة الحوكمة الاقتصادية المحلية إلى أسواق غير منظمة، حيث تسود حالة من عدم اليقين، وتغيب قواعد المنافسة العادلة، وتضعف قدرة الجهات المحلية على ضبط الأسعار، أو تنظيم العرض والطلب، أو إدارة الأزمات الاقتصادية المحلية. هذه الحالة لا تعكس حيوية السوق بقدر ما تعكس هشاشته واعتماده على التكيّف الفردي.
كما تنعكس الفجوة في ارتفاع مخاطر الاستثمار المحلي. فغياب القواعد الواضحة، وعدم استقرار البيئة التنظيمية، وضعف الحماية القانونية، كلها عوامل ترفع كلفة الاستثمار، وتدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى تجنب التوسع، أو العمل في إطار ضيق وقصير الأجل، ما يحد من خلق فرص عمل مستدامة.
أما على مستوى التدخلات الدولية، فتظهر الفجوة بوضوح من خلال مشاريع مدعومة لا تستمر بعد انتهاء التمويل. فهذه المشاريع، رغم مساهمتها المؤقتة في تحسين الدخل أو تعزيز الصمود، غالبًا ما تُنفَّذ دون إدماجها في منظومة اقتصادية محلية أوسع، ودون ربطها بجهات قادرة على تنظيمها أو استدامتها. والنتيجة هي أثر محدود، غير تراكمي، يعيد إنتاج الحاجة إلى تدخلات جديدة بدل بناء قدرة اقتصادية محلية طويلة الأمد.
رغم تعدد الجهود المبذولة لفهم الواقع الاقتصادي المحلي في سوريا، إلا أن المقاربات السائدة حتى الآن تعاني من قصور بنيوي يحدّ من قدرتها على إحداث أثر مستدام. هذا القصور لا يعود بالضرورة إلى ضعف النوايا أو نقص الموارد، بل إلى الإطار المفاهيمي والتنفيذي الذي يحكم تصميم هذه التدخلات.
أولًا، لا تزال المقاربات الحالية تركّز على المشاريع بدل المنظومات، حتى في مرحلة يُفترض أن تكون انتقالية نحو التعافي الاقتصادي. يُنظر إلى التدخل الاقتصادي غالبًا بوصفه مجموعة أنشطة أو مشاريع منفصلة، بدل اعتباره عملية بناء منظومة اقتصادية محلية متكاملة تشمل التنظيم، اتخاذ القرار، والشراكة مع الفاعلين المحليين. ونتيجة لذلك، يبقى الأثر محصورًا ضمن نطاق المشروع ذاته، دون قدرة على التوسع أو التراكم.
ثانيًا، يجري اختزال التنمية الاقتصادية المحلية في مشاريع “سبل العيش”، وكأن تحسين الدخل الفردي هو الهدف النهائي بحد ذاته. ورغم أهمية هذا النوع من التدخلات في سياقات الهشاشة، إلا أن التعامل معه كمدخل وحيد للتعافي يغفل حقيقة أن سبل العيش تعمل ضمن سوق، والسوق يحتاج إلى قواعد، والاقتصاد يحتاج إلى حوكمة. بدون هذا الإطار، تتحول مشاريع سبل العيش إلى حلول مؤقتة لا تعالج الأسباب البنيوية لضعف الاقتصاد المحلي.
ثالثًا، تعاني معظم المقاربات من تغييب واضح لمفهوم الحوكمة الاقتصادية في تصميم البرامج. نادرًا ما تُدمج عناصر مثل تنظيم السوق، تحديد الأدوار، المساءلة الاقتصادية، أو بناء القدرات المؤسسية المحلية ضمن منطق التدخل. وغالبًا ما تُعتبر هذه العناصر “قضايا سياسية” أو “مخاطر تشغيلية”، فيُستبعد تناولها، رغم كونها شرطًا أساسيًا لأي أثر اقتصادي مستدام.
رابعًا، يتم في كثير من الحالات العمل بمعزل عن السلطات المحلية وأصحاب المصلحة المحليين، أو تجاوزهم بالكامل. فإما تُعتبر هذه الجهات ضعيفة وغير قادرة على التنفيذ، أو يُنظر إليها كطرف يجب الالتفاف عليه لتسريع الإنجاز. هذا النهج لا يضعف فقط ملكية التدخلات، بل يرسّخ فجوة الثقة، ويُبقي الاقتصاد المحلي معتمدًا على الفاعلين الخارجيين بدل بناء قدرته الذاتية على التنظيم والإدارة.
مجتمعة، تؤدي هذه المقاربات إلى نتيجة واحدة: تدخلات اقتصادية محدودة الأثر، غير قابلة للاستدامة، وغير قادرة على الانتقال من إدارة الأمر الواقع إلى بناء قدرة اقتصادية محلية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في منطق التدخل نفسه، والانتقال من دعم الأنشطة إلى بناء الحوكمة الاقتصادية المحلية كمدخل أساسي للتعافي.
إن معالجة فجوة الحوكمة الاقتصادية المحلية في سوريا تتطلب الانتقال من تدخلات جزئية ومؤقتة إلى نهج سياساتي يضع بناء الحوكمة في صميم التعافي الاقتصادي. وفي هذا الإطار، تُقترح التوصيات التالية، موزعة حسب فئات الفاعلين الرئيسيين:
أولًا: توصيات موجهة إلى المانحين
إدماج الحوكمة الاقتصادية كمكوّن إلزامي في برامج التعافي
ينبغي ألا تُصمَّم برامج التعافي الاقتصادي بمعزل عن أسئلة الحوكمة. يتطلب ذلك إدراج مكونات واضحة تتعلق بتنظيم السوق، تحديد الأدوار المؤسسية، وآليات التنسيق المحلي، كجزء أساسي من منطق التدخل، لا كمخرجات ثانوية.
تمويل بناء الأطر التنظيمية المحلية، لا فقط المشاريع
من الضروري إعادة توجيه جزء من التمويل من دعم المشاريع الفردية إلى دعم تطوير الأطر التنظيمية الاقتصادية المحلية، مثل أنظمة التراخيص، إدارة الأسواق، والرسوم المحلية. هذا النوع من الاستثمار يُعد أقل ظهورًا على المدى القصير، لكنه أكثر أثرًا واستدامة على المدى المتوسط والطويل.
ثانيًا: توصيات موجهة إلى الجهات المنفذة
العمل مع السلطات المحلية، لا حولها
يتعين على الجهات المنفذة الانتقال من منطق الالتفاف على السلطات المحلية إلى منطق الشراكة معها، حتى في السياقات التي تعاني فيها هذه السلطات من ضعف القدرات. فبناء القدرة المؤسسية لا يمكن أن يتحقق دون إشراك فعلي في التخطيط والتنفيذ وتحمل المسؤولية.
بناء قدرات تنظيم السوق، التراخيص، وإدارة الموارد المحلية
ينبغي أن تشمل التدخلات الاقتصادية مكونات عملية لبناء قدرات الجهات المحلية في مجالات تنظيم السوق، إصدار التراخيص، إدارة الأصول والموارد الاقتصادية المحلية، وتطوير أدوات متابعة بسيطة. هذه القدرات تمثل الأساس لأي دور حقيقي للحوكمة الاقتصادية المحلية.
ثالثًا: توصيات موجهة إلى الفاعلين المحليين
تطوير شراكات اقتصادية محلية
يتطلب تعزيز الحوكمة الاقتصادية المحلية بناء شراكات منظمة بين السلطات المحلية، القطاع الخاص، والفاعلين المجتمعيين. هذه الشراكات تسهم في تحسين التنسيق، وتوزيع الأدوار، وتعزيز الثقة بين أطراف العملية الاقتصادية.
تبني آليات مساءلة اقتصادية بسيطة وقابلة للتطبيق
يمكن للفاعلين المحليين، حتى في ظل محدودية الموارد، اعتماد آليات مساءلة اقتصادية أساسية، مثل الإفصاح عن الرسوم المحلية، إشراك ممثلي السوق في اتخاذ القرار، أو إنشاء قنوات تواصل منتظمة مع أصحاب الأعمال. هذه الآليات تعزز الشفافية وتُشكّل خطوة أولى نحو حوكمة أكثر استقرارًا.